شهلا حيدري
المستخلص
تُعدّ الحجاجية من أبرز المفاهيم في البحث التداولي الغربي الحديث، وهي لصيقة بلسانيات الخطاب التي مثلت منعطفاً متميزاً للباحث اللساني. ودمج اللسانيات التداولية وتحليل الخطاب النقدي، يُمثّل مدخلاً منهجياً لتوظيف مبادئ غرايس كأدوات حجاجية استراتيجية تكشف تحول اللغة إلى ممارسة فاعلة في هندسة الواقع وبناء السلطة. لذا يهدف هذا البحث ...
أكثر
تُعدّ الحجاجية من أبرز المفاهيم في البحث التداولي الغربي الحديث، وهي لصيقة بلسانيات الخطاب التي مثلت منعطفاً متميزاً للباحث اللساني. ودمج اللسانيات التداولية وتحليل الخطاب النقدي، يُمثّل مدخلاً منهجياً لتوظيف مبادئ غرايس كأدوات حجاجية استراتيجية تكشف تحول اللغة إلى ممارسة فاعلة في هندسة الواقع وبناء السلطة. لذا يهدف هذا البحث إلى تفكيك البنى الحجاجية والتداولية في خطب الإمام علي (عليه السلام) ضمن نهج البلاغة، من خلال عدسة مبدأ التعاون وقواعد بول غرايس الحوارية الأربعة. وينطلق من فرضية مفادها أن هذه الآليات اللغوية تُوظف كاستراتيجيات حجاجية عليا لبناء الاستدلال وترسيخ السلطة المعرفية والشرعية للخطاب. وتوصلت الدراسة من خلال المنهج الوصفي-تحليلي إلى أربع نتائج محورية: أولاً، توظيف (مبدأ الكم) عبر الإيجاز المكثف والخرق المقصود لفرض هيمنة معرفية، مما يمنح الخطاب طابع الشمولية والقطعية ويجعله عصياً على النقض. ثانياً، استخدام (مبدأ الكيف) كـ(صدق استراتيجي) لتفكيك حجج الخصوم من الداخل، وتأصيل الأحكام ببراهين واقعية وعقلية لا تقبل الدحض. ثالثاً، توظيف (مبدأ الصلة) عبر الانتقالات الموضوعية المفاجئة لإعادة تأطير الصراعات السياسية الدنيوية، ورفعها إلى مصاف القضايا الكونية والمقدسة. رابعاً، الالتزام الصارم بـ(مبدأ الأسلوب) الوضوح، الإيجاز، والترتيب، لتحويل الحقائق المريرة إلى بديهيات إدراكية لا تحتمل التأويل. وتخلص الدراسة إلى أن العبقرية البلاغية في نهج البلاغة تكمن في التفاعل الديناميكي بين الالتزام بهذه المبادئ لإقامة الحجة، وخرقها المقصود لتوليد المغزى الضمني. وبذلك، يتجاوز الخطاب وظيفة نقل المعلومات ليغدو أداة فاعلة في تشكيل الواقع، وإسقاط الخصوم، وترسيخ سلطة خطابية فريدة تجمع بين القداسة، والعقلانية، والسمو الأخلاقي.